Stay Connected:     Join our Facebook page   Follow us on Twitter   Subscribe to our YouTube channel
   
Friday, 23rd June 2017

درس من التاريخ: هل تتكرر المذبحة؟

Posted on 24. Apr, 2013 by in Columns

سفن العدو تلوح في أفق الإسكندرية، الخوف يبيت مع كل أسرة كل ليلة، والقلق لا يفارق القلوب. الناس يتساءلون: متى يأتي الوعد الحق و تحدث الطامة الكبرى؟ هكذا عاشت الاسكندرية خلال تلك الفترة الحرجة التي تلت الثورة العرابية.  و في يوم من تلك الأيام الحالكة السواد، إذا بكارثة أخرى كانت لمصر بمثابة النفق المظلم مكثت فيه أكثر من سبعين عاما.

إليك ما حدث: إستأجر مالطيٌ حماراً من مصري في الإسكندرية، فركبه و قضى به ما أراد من المصالح، ثم أعاده لصاحبه المصري. و لمّا طالبه المصري بأجرة ركوبه لم يدفعْ له إلا قرشاً واحداً! فلم يرض المصري بذلك الأجر بالطبع لما فيه من الظلم، و جادل المالطي طلباً لحقه، فما راعه إلا المالطي يخرج سكينا و ينهال عليه طعنا حتى وافاه الأجل! و ما أن قتل المالطيُ المصريَ حتى ركض إلى أحد المنازل المجاورة هرباً من الأهالي فلم يستطيعوا الإمساك به، فقد دافع عنه المالطيّون بالأسلحة النارية. فهاج الأهالي و اندفعوا يطلبوا الأخذ بثأر ذلك القتيل،  فثاروا على الأوروبيين جميعهم، فساد الهرج و السلب و النهب. و قد كانت تلك الأحداث ذريعة من الذرائع التي احتلت بها انجلترا مصر بحجة حفظ النظام و حماية الأقليات.

 لقد راعني تشابه بدايات ذلك الحدث المفجع و كثير من المهازل التي حلت بنا في السنوات الأخيرة، من فتن مشتعلة، و دماء مراقة، و تراشق بالرصاص و الألفاظ، و كراهية لم تستطع النفوس لها إخفاءً أو قمعاً فظهرت أقوالاً و أفعالاً. كنت أرى تلك الأحداث المتوالية، التي تتكرر بنفس أحداثها  و تفاصيلها. اللهم إلا بعض الاختلافات السطحية، و ما كان الحديث عنها إلا حديثاً مكرراً فقد معناه و تأثيره من كثرة ما استخدم. كلام في الهواء لا سند له قوى يعضده: فلا أحد يورد حدثاً تاريخياً أو موقفاً تشابهت فيه المقدمات و كانت النتائج فيه وخيمة. و أي نتيجة أدهى و أمرّ من احتلال دام أكثر من سبعين عاما لا نزال نعاني من آثاره إلى يومنا هذا؟! و الأمثلة في هذا الصدد كثيرة، لكني أتعجب من غيابها في أيام كهذه الأيام الحالكات المضطربة التي نحتاج فيها إلى واعظ من التاريخ بليغ، إذا تكلم عن خطورة ما نحن فيه أسمعْ، و إذا أرانا ما حاق بالسابقين من أخطائهم أوجعْ.

و إني لأعجب ممن يستبعدون وجود أيدٍ تعبث بالناس لخلق فتن وأزمات و ينكرون احتمالية حدوثها! إنهم يسندون ذلك إلى جهلهم، وما علموا أن الوقود لا بد له من زَندٍ يشعل فيه الشرر، فإذا هو نيران متأججة. فانظر مثلا إلى ما سبق أحداث الاسكندرية.. فكان قد سأل الرعايا الانجليز قنصلهم عما يجب عليهم أن يفعلوا لمّا رأوا سفن الأسطول في الاسكندرية، و أيقنوا أن هناك أحداث جثام آتية لا محالة. فكان جوابه أن تسلحوا قدر المستطاع لتحموا أنفسكم بأنفسكم! و التحريض بيّنٌ في كلامه. كما أوضح الشيخ محمد عبده أن الانجليز حرضوا ضعاف العقول من الأجانب على فتنة ”أقامت منها حكومة إنكلترا حجة في العدوان على الأراضي الخديوية“. ليت الأمر يقف عند إشعال أعداء الخارج للفتن عن طريق عملائهم، بل هناك أيضاً من يسدون لهم الخدمات الجليلة في أوطاننا و هم لا يشعرون ، فصرنا نهدم بيوتنا بأيدينا و أيديهم و إلى الله المشتكى. و إعلم أن الحفاظ على ذلك الجهل إنما هي وسيلة من وسائلهم غير المباشرة للحفاظ على قابلية و قوع الفتن. إنه الحفاظ على هؤلاء ”ضعاف العقول“ ليسهل التحريض، بل ليكون حدوثه محتماً.

رحم الله أمير الشعراء أحمد شوقي، فقد قال:

وَإِذا أَرادَ اللَهُ إِشقاءَ القُرى =جَعَلَ الهُداةَ بِها دُعاةَ شِقاقِ

و لا يتبادرن لذهنك أن كلمة فتنة تقتصر على الفتنة ذات الجذور الدينية ، أو ما يُسمّى بـ”الفتنة الطائفية“، فقد ظهرت لنا – خاصة بعد الثورة – فتن تقوم على التوجهات الفكرية و السياسية، و كأن من يحركها لاحظ أن الفتن ذات الأصل الديني لم تعدْ تجارة مربحة. فنجد فريقاً من حزب كذا أو جماعة كذا يعتدي على من يرونهم ضالين مضلين، و كذلك يرد عليهم الآخرين بنفس ذلك الفكر العقيم الذي لا يعلم معنى ”الرأي الآخر“. و نحن لطالما مررنا بمراحل إشتدت فيها الإختلافات الفكرية فلم تصل إلى ذلك الفجور في الاختلاف و الخصام إلا و أن ذقنا منها علقما.


فليتنا نرتقى بفكرنا،

 ليتنا نرتقى بثقافة الاختلاف،

ليتنا ننظر بعين الحكمة لا عين التعصب قبل الاندفاع،

 ليتنا لا نكون معاول لهدم بيتنا بأيدينا،

و ليتنا نعي دروس التاريخ.


Leave a Reply

You must be logged in to post a comment.

 
 

 

Email